من نكوص الذات المقهورة إلى سؤال المواجهة المنظمة

31 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 07:54 (توقيت القدس)
دعما للصحافيين الفلسطينيين أمام مقر صحيفة نيويورك تايمز، 2026/8/10 (سلجوق عكار/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- انطلقت تظاهرات تضامنية عالمية من غزة، حيث استفادت الاحتجاجات في الغرب من الحريات المدنية، بينما تأثرت في العالم العربي بالقمع والضغوط المعيشية، مما أدى إلى تراجع الزخم.
- في الغرب، تمكن المتظاهرون من تفكيك الهيمنة الثقافية، بينما يعاني المواطن العربي من قهر داخلي وخارجي، مما يعوق التخطيط ويحول الاحتجاجات إلى تفريغ انفعالي.
- يعكس تراجع الحراك العربي أزمة دولة بنيوية، حيث تركز الأنظمة على حماية مصالحها، مما يعيق بناء حركة تحرر وطني فعالة.

من رحم الركام الذي حوّل قطاع غزّة إلى مسرحٍ لأبشع حرب إبادةٍ جماعيةٍ في القرن الواحد والعشرين، انطلقت شرارة غضبٍ عابرة للحدود والقارات، فكانت مقاومة الشعب الفلسطيني وتضحياته قادرةً على تحريك الضمير الإنساني عالمياً. مثّلت تظاهرات التضامن والاحتجاج؛ الّتي ملأت ميادين المدن من الشرق إلى الغرب، جبهة إسنادٍ أخلاقيةً وسياسية، سعت إلى فرض حصارٍ شعبي على منظومة الاحتلال وحلفائه، ومارست ضغوطاً غير مسبوقة لإنهاء شلال الدم.

إلّا أنّ المقارنة بين جغرافية هذه الاحتجاجات وزخمها يكشفان عن مفارقةٍ صارخة، فبينما كان الزخم والتأثير لاحتجاجات المدن والجامعات الغربية كبيراً، مستفيدةً بدايةً من هامش الحريات الذي ما لبث أن تصدّع، ومن ابتكار أدوات ضغطٍ شعبي واقتصادي وأكاديمي أثّرت بطريقة من الطرق على عروش القرار. بدا المشهد في الشارع العربي مغايراً ومتأرجحاً، ليدخل سريعاً في حالةٍ من الركود النسبي، مدفوعاً بوجع العجز الصادم، والانهاك المعيشي، والقبضة الأمنية الصارمة الّتي فرضتها الأنظمة الحاكمة، خشية تحول التظاهرات الداعمة للفلسطينيين إلى غضب داخلي يعيد ترتيب الأولويات السياسية في المنطقة.

لا يعكس هذا التراجع بالضرورة تخلياً عن القضية الفلسطينية، بقدر ما يؤشر على أزمة دولةٍ بنيوية، وأزمة أدواتٍ واستراتيجيات جماهيرية، ما يضع الشعوب والقوى الحية أمام تساؤلٍ مصيري: كيف يمكن تحرير الفعل النضالي والاحتجاجي من هذه القيود والإلهاءات؟

غير أن هذا الحراك، وبسبب غياب التنظيم، والمؤسسات المدنية والحزبية الفاعلة نتيجة سحقها عبر عقود، ظل محكوماً بالانفعالية والارتجال

مقارنةٌ بين حراكي الشارعين العربي والغربي

يتجاوز التباين والاختلاف بين حراكي الشارعين العربي والغربي مجرّد الاختلاف في النطاق الجغرافي، أو الشعارات المرفوعة، إذ يعكس في جوهره صداماً بين بنيتين نفسيتين واجتماعيتين مختلفتين يمكن تفكيكهما من خلال العلاقة الجدلية بين الموقع المادي للأفراد، وآليات الهيمنة، والسيطرة والبنية النفسية للمجتمعات الرازحة تحت وطأة القهر المستدام.

تتحرّك التظاهرات في الدول الغربية داخل بنيةٍ رأسمالية ليبرالية توفر لها هامشاً من الحقوق المدنية والقانونية الّتي تصبح قنواتٍ للتأثير، هنا لا ينطلق الاحتجاج من دافعٍ عاطفي فقط، بل من إدراكٍ لشبكة المصالح وعلاقات القوّة. فهو يرى نفسه شريكاً مادياً في تمويل آلة الحرب عبر ضرائبه ورسومه الدراسية، الّتي تستثمرها الدولة أو المؤسسات الأكاديمية في الشراكة والاستثمار في مفاصل تصنيع الاحتلال الصهيوني العسكري.

أتاح هذا الوعي للمتظاهرين في الدول الاوروبية وأميركا تفكيك ما يسميه غرامشي بـ"الهيمنة الثقافية"، الّتي تفرضها الطبقة الحاكمة عبر وسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية لتبرير سياساتها الاستعمارية.
لذلك نجح الحراك إلى حدٍّ ما في خلق؛ أو بداية خلق، نواةٍ أو "كتلة تاريخيّة" جديدة مضادة داخل المجتمع المدني الغربي، يقودها اليسار الذي كان في غفوةٍ طويلة، وهنا كانت المصلحة المتبادلة بينه وبين القضية الفلسطينية، لذا تحول الاحتجاج من مجرد ظاهرة صوتية إلى فعلٍ هيكلي تمثّل في التظاهرات والاعتصامات ومخيّمات الجامعات، ومحاصرة الشركات المتواطئة وفضحها، وإجبار العديد من الإدارات على مناقشة سحب الاستثمارات. هنا تجدر الإشارة إلى أنّ تراجع الحراك الغربي حالياً يمثّل خطراً حقيقياً على إكمال بناء "الكتلة التاريخية".

في المقابل يعيش المواطن العربي تحت وطأة قهرٍ مركَّب، قهرٍ داخلي تمارسه السلطة، الّتي تمثّل أدوات الضغط المادية لحماية مصالح الطبقات الحاكمة وتبعيتها للخارج، وقهرٍ خارجي متمثّل في الهيمنة الاستعمارية. هذا القهر المزمن يولّد في نفسية الجماهير العربية شعوراً بالدونية والعجز المكتسب، وفي السياق ذاته يشير الدكتور مصطفى حجازي إلى خطورة هذا الاستلاب النفسي بقوله: "إن الإنسان المقهور عاجزٌ عن التخطيط العقلاني لأفعاله، لأنه يعيش في حالة طوارئ دائمة للدفاع عن بقائه الفردي".

لذلك حين بدأت الإبادة في قطاع غزّة خرج الشارع العربي في هبّة عاطفية، نوعاً من التفريغ الانفعالي للاحتقان المتراكم، كان الهتاف وسيلةً لرفع الإحساس بالذنب، والمهانة الذاتية، ومحاولةً للتماهي مع البطل المقاوم في قطاع غزّة لتعويض النقص الذاتي. غير أن هذا الحراك، وبسبب غياب التنظيم، والمؤسسات المدنية والحزبية الفاعلة نتيجة سحقها عبر عقود، ظل محكوماً بالانفعالية والارتجال، فالإنسان المقهور "يميل إلى التعبير العاطفي والحلول السحرية والقدرية بدلاً من البناء التنظيمي طويل الأمد".

هذا ما قاد إلى تراجع الزخم في الشارع العربي، ليس نتيجة غياب التعاطف، بل نتيجة الارتطام المباشر بجدار الواقع، وأدوات السيطرة، الّتي تعيد صياغة وعي الأفراد، فعلى المستوى المعيشي تعيش غالبية الفئات الشعبية العربية تحت وطأة أزماتٍ معيشية طاحنة وغلاءٍ متصاعد، وهذا نتاجٌ لتركيز الثروة في أيدي الطبقات الحاكمة، سيئة الإدارة من جهة، ومن جهة أخرى نتيجة استمرار النهب الاستعماري عن طريق شراكات واتّفاقيات غير متوازنة. وهذا التحالف ما بين الطبقة الحاكمة والقوى الخارجية يستفيد من إبقاء الأغلبية في حالة ركضٍ دائم خلف رغيف الخبز، هذا الاستنزاف اليومي يحول الإنسان إلى كائنٍ مستلب يصعب عليه الانخراط في فعل جماعي مستدام. فحين تصبح لقمة العيش رهينة الانصياع لشرط النظام القائم يصبح الخروج إلى الشارع مخاطرةً مباشرةً قد تكون نتيجتها القتل أو الاعتقال أو انقطاع الرزق.

أتاح هذا الوعي للمتظاهرين في الدول الاوروبية وأميركا تفكيك ما يسميه غرامشي بـ"الهيمنة الثقافية"، الّتي تفرضها الطبقة الحاكمة عبر وسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية لتبرير سياساتها الاستعمارية

ارتبط هذا الاستلاب المادي ببنيةٍ نفسية مشوهة صنعها القمع المتراكم، إذ يتولد لدى الإنسان إدراكٌ ضمني أنّ أيّ محاولة للاعتراض هي فعلٌ عبثي لا طائل منه. وعندما اصطدمت الجماهير بأجهزة الدولة القمعية تفعّلت استجابةٌ دفاعية نفسية (الاستسلام للواقع تجنباً لمزيد من المهانة)، وهذا دفع نحو تبني أفكارٍ قدرية تمنح عزاءً مؤقتاً يحمي الذات من ذنب العجز.

إنّ التقاء القوّة القمعية للسلطة مع هيمنتها المستخدمة في تخويف المجتمع من فوضى داخلية، أو عدوٍّ خارجي متربص يؤدي إلى نكوص الذات المقهورة وانكفائها داخل القوقعة الفردانية، وتحلّ النجاة الشخصية بدلاً من النجاة الجماعية.

خلاصة القول؛ يتضح أنّ خفوت صوت الشارع العربي، وتراجع زخمه الاحتجاجي ليس مجرد عارضٍ نفسي ألمّ بالجماهير، أو مجرد استجابةٍ مؤقتةٍ لبطش الأجهزة الأمنية، بل هو النتيجة الحتمية لارتطام الوعي العفوي ببنية الدولة التابعة، أي أننا أمام أزمة دولةٍ بنيوية كما وضحها المفكر مهدي عامل في كتابه "نمط الإنتاج الكولونيالي"، أو كما أسماها المفكر برهان غليون "الدولة المعاقة". إنّ هذه البنية بوظيفتها الجوهرية القائمة على حراسة مصالح السيطرة الطبقية المرتبطة بالنظام الإمبريالي العالمي لا تملك في ترسانتها سوى أدوات التدجين والإفقار والتفتيت الممنهج لأي وعيٍ تحرري مشترك.

يتمثّل مأزق الشعوب العربية الحقيقي في غياب حركة تحرر وطني من ثنائية الاستبداد والاستعمار، وغياب الكتلة التاريخية؛ سواءً بالمفهوم الغرامشي أو كما سيّسها الجابري. لذلك فإنّ اعتقاد الجماهير بإمكانية دعم القضية الفلسطينية، ومناهضة الاستعمار الخارجي من دون المساس بجذور التبعية وبنى الاضطهاد المحلية، والعكس صحيح، هو ظنٌ يعيد إنتاج العجز، ويحكم على كل هبّةٍ شعبية بأن تنتهي بالانكفاء والنكوص داخل شرنقة البقاء الفردي. ومن هذا الاستعصاء البنيوي والنفسي المأزوم يبرز السؤال: كيف يمكن للشعوب العربية المقهورة أن تخرج من دائرة الفعل الانفعالي المؤقت إلى فضاء الممارسة المنظّمة؟ وكيف يمكن تحويل وعي العجز إلى قوّةٍ مادية قادرة على مجابهة البنية المسيطرة داخلياً وخارجياً؟ باختصار كيف يمكن الانتقال من المفعول به إلى الفاعل؟